ابن أبي الحديد

178

شرح نهج البلاغة

قال : ما ذاك ؟ قال عياض بن غنم ، يلبس اللين ، ويأكل الطيب ، ويفعل كذا وكذا قال : أساع ( 1 ) ؟ قال : بل مؤد ما عليه ، فقال لمحمد بن مسلمة : الحق بعياض بن غنم فأتني به كما تجده ، فمضى محمد بن مسلمة حتى أتى باب عياض ، وهو أمير على حمص ، وإذا عليه بواب ، فقال له : قل لعياض : على بابك رجل يريد أن يلقاك ، قال : ما تقول ؟ قال : قل له ما أقول لك فقام كالمعجب فأخبره ، فعرف عياض أنه أمر حدث ، فخرج فإذا محمد بن مسلمة ، فأدخله ، فرأى على عياض قميصا رقيقا ، ورداء لينا ، فقال : إ ن أمير المؤمنين أمرني ألا أفارقك حتى آتيه بك كما أجدك . فأقدمه على عمر وأخبره أنه وجده في عيش ناعم ، فأمر له بعصا وكساء ، وقال : إذهب بهذه الغنم ، فأحسن رعيها ، فقال : الموت أهون من ذلك ، فقال : كذبت ، ولقد كان ترك ما كنت عليه أهون عليك من ذلك . فساق الغنم بعصاه ، والكساء في عنقه ، فلما بعد رده ، وقال : أرأيت إن رددتك إلى عملك أتصنع خيرا ؟ قال : نعم والله يا أمير المؤمنين ، لا يبلغك منى بعدها ما تكره . فرده إلى عمله ، فلم يبلغه عنه بعدها ما ينقمه عليه . * * * كان الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها ، فيصلون عندها ، فقال عمر : أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى ! ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد ، ثم أمر بها فقطعت . * * * لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشاع بين الناس موته ، طاف عمر على الناس قائلا : أنه لم يمت ، ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه ، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ، يزعمون أنه مات ؟ فجعل لا يمر بأحد يقول إنه مات إلا ويخبطه ويتوعده ، حتى جاء أبو بكر ، فقال : أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ،

--> ( 1 ) الساعي هنا : الواشي .